مؤيد الدين الجندي

537

شرح فصوص الحكم

وبعضهم رأى احتمال الاعتبارين معا من غير ترجيح ، فحار الحيرة الكبرى التي للأكابر . وأمّا أهل الأكملية من أرباب الكمال فلم يحاروا ، بل قالوا بتحقّق الأمرين معا دائما في كل عين عين ، وهذا الذوق من مشرب الختم ، ويختصّ بالخاتميّين والمحمديّين ، جعلنا الله وإيّاك منهم . قال - رضي الله عنه - : « وهذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلَّا ذوقا كأبي يزيد - رضي الله عنه - حين نفخ في النملة التي قتلها ، فحييت ، فعلم عند ذلك بمن « 1 » ينفخ فنفخ ، وكان عيسويّ المشهد » . يشير : [ إلى ] أنّ معرفة الإحياء وكيفية نسبته إلى الحق في صورة عبده أو إلى النافخ بالله لا تحصل إلَّا بالذوق ، فمن لم يحي ولم يحي هكذا شهودا محقّقا ، لم يعرف ، ذوقا كيف الإحياء ؟ فإنّ الكيفيات لا تعلم بالحكاية ، وهو لا يتحكَّى كما قيل قبل . قال - رضي الله عنه - : « وأمّا الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الإحياء « 2 » الإلهية الذاتية العلمية « 3 » النورية التي قال الله فيها : * ( أَوَمن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُه ُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) * « 4 » [ فكلّ من أحيا نفسا ميتة بحياة علميّة في مسألة خاصّة متعلَّقة بالعلم بالله ، فقد أحياه بها وكانت له نورا يمشي به في الناس ] أي بين أشكاله في الصورة » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ الإحياء المعنويّ الحقيقيّ هو إحياء النفس الميتة بالجهل بالعلم ، فإنّه الحياة الحقيقية لنفوس العالمين العارفين بالله في الطبقة العليا ولنفوس الموتى بالجهل لله وأسمائه وآياته وكلماته وأنبائه ، ولكن لا مطلقا في جميع مراتب العلم الكونيّ - أعني ليس لكلّ علم هذه الحياة والإحياء - بل هو العلم بالله خاصّة ، وقد أعطى الله ذلك لكمّل أوليائه وندّر الأفراد ، فهم يحيون بنفائس أنفاسهم نفوس المستعدّين ، ويفيضون عليهم أنوار الحياة العلمية النورية الذاتية ، وذلك أنّهم

--> « 1 » في بعض النسخ : لمن . « 2 » كذا . والصحيح - كما في بعض النسخ - : الحياة . « 3 » في بعض النسخ : الدائمة العليّة . « 4 » الأنعام ( 6 ) الآية 122 .